اختفى يوسف ابن الحادية عشرة من بيت جدته في الثالثة عصرًا، ولم يعد.
كانت المفتشة هدى تجلس في الغرفة الصغيرة الملحقة بمركز الشرطة عندما دخلت الجدة وهي تمسك هاتفها بيدين ترتجفان. قالت: «أرسل لي ثلاث رسائل صوتية. كتب في الأولى إنه بخير، وأنه لا يريدني أن أقلق. لكنني لا أعرف أين هو».
أخذت هدى الهاتف ووضعت السماعة على أذنها. وضغطت زر التشغيل.
الرسالة الأولى، الساعة 3:41 عصرًا. صوت صبي متعب يقول بصوت خافت: «يا ستي، أنا بخير. لا تخافي». وفي الخلفية طقطقة خفيفة، ثم رائحة لا يمكن تسجيلها، لكنها كانت واضحة من نبرته: صوت فرن، وحفيف عجين يُطرق على لوح خشبي. وبعد ثوانٍ، صفير طويل حاد. صفير قطار.
الرسالة الثانية، الساعة 5:12 مساءً. صوت أضعف: «برد قليلًا. سأنتظر». وفي الخلفية أذان المغرب يرتفع من مكان بعيد، ثم ينخفض، ثم يغطيه صوت معدني: طرق حديد على حديد، متباعد وبطيء.
الرسالة الثالثة، الساعة 7:30 مساءً، وهي الأخيرة. صوته مبحوح وقصير: «ستي، أنا آسف». وفي الخلفية، نقطة ماء تسقط في مكان واسع، ويأتي صداها بعد نصف ثانية: طَنّ... طَنّ...
أغلقت هدى الهاتف. قال المساعد: «ليست هناك أي كلمة تدل على المكان». قالت: «الكلمات لا. لكن الصوت يتكلم».
وضعت على الطاولة ورقة وقلمًا، وكتبت ثلاثة عناوين:
الأولى: فرن خبز وقطار في آنٍ واحد. يعني مخبزًا قريبًا من سكة حديد.
الثانية: أذان المغرب مسموع بعيدًا، وطرق حديد متباعد. يعني منطقة ورش قريبة، لكن ليست في قلب الحي.
الثالثة: قطرات ماء وصدى عميق. يعني مكانًا مغلقًا واسعًا، فيه خزان أو سقف عالٍ.
سألت الجدة: «هل كان يحب القطارات؟»
اغرورقت عينا الجدة. قالت: «أبوه كان سائق قطار في سكة الحجاز القديمة. مات قبل ثلاث سنوات. كان يأخذ يوسف إلى المحطة كل جمعة، ويحكي له عن القاطرات».
اتسعت عينا هدى. قالت: «المحطة القديمة. المحطة التي لم تعد تعمل».
كانت المحطة خارج المدينة، تحيط بها ورشة قطارات مهجورة ومخبز صغير ما زال يعمل للعمال القدامى. وفي الجهة الخلفية، مخزن ضخم يحتوي خزان ماء حديديًا قديمًا لتزويد القاطرات.
وصلت هدى مع فريقها عند التاسعة إلا ربعًا.
قبل ذلك، مرّت هدى بالمخبز الصغير الذي بجانب المحطة. كان الخبّاز العجوز يُنزل آخر أرغفته من الفرن حين سألته إن كان قد رأى صبيًا يلبس سترة زرقاء. مسح يديه بمنشفة وقال: «نعم. جاء عند الثالثة والنصف. اشترى رغيفًا ساخنًا، وسألني: هل ما زالت القاطرة القديمة في المخزن الكبير؟ قلت له نعم. ثم مضى. ظننته يلعب».
سألته: «ولماذا لم تتصل بأحد؟»
نظر إليها الخبّاز بحزن: «ظننت أنه ابن أحد العمال، وأنه سيعود».
كانت درجة الحرارة تنخفض إلى ما تحت الخمس درجات. ونظرت هدى إلى ساعتها: ثمانٍ وأربعون دقيقة منذ آخر رسالة. ثم ركضت إلى سيارتها. كانت الليلة باردة، والرياح تعوي بين الحديد. أضاءوا مصابيحهم ومشوا على القضبان.
في الطريق سمعت خفقة عجلة معدنية تتحرك وحدها على القضبان الصدئة. توقف الجميع. ثم اتضح أنها مجرد قطعة حديد تتأرجح في الريح. لكن هدى شعرت لأول مرة بخوف حقيقي. ليس من الظلام، بل من فكرة أن تصل متأخرة.
قال أحد الشرطة: «لا أثر للصبي».
كانت هدى تسمع شيئًا. رفعت يدها وأشارت: «اصمتوا». وقفوا جميعًا ساكنين. جاء من جهة المخزن صوت طنين، طَنّ... طَنّ... قطرة ماء تسقط في الفراغ.
مشت نحو المخزن الكبير وحدها. دفعت الباب الحديدي الثقيل، فصرّ صريرًا طويلًا. كان الداخل مظلمًا، وتفوح منه رائحة الصدأ والغبار. أضاءت مصباحها. رأت خزان الماء الضخم يعلو كالبرج، وتحته قاطرة قديمة بلا عجلات، لكن بابها مفتوح.
اقتربت. تسلّقت درجتين. وفي داخل القمرة الحديدية الصغيرة، ملفوفًا ببطانية قديمة ومتكئًا على مقعد السائق، كان يوسف نائمًا.
كان يمسك بيديه قبعة سوداء كبيرة عليها شعار السكة الحديدية. وعلى المقعد أمامه ورقة مطوية.
جلست هدى بجانبه بلطف. قالت بصوت خافت: «يوسف... أنا هدى. جدتك تنتظرك».
فتح عينيه ببطء. وحين رآها انتفض. قال: «هل ستأخذينني؟»
قالت: «سآخذك إلى ستك. لكن أخبرني أولًا لماذا جئت إلى هنا».
خفض رأسه. قال: «سمعت أمي وخالي يتكلمان الأسبوع الماضي. قالا إنهم سيبيعون آخر شيء بقي من أبي: بيت السكة القديم. قلت إنني سأنقذ القاطرة. كنت أظن أنه إذا جلست فيها يومًا كاملًا... فلن يبيعوها».
وضع القبعة على ركبتيه وأضاف: «وأنا آسف لأنني كذبتُ على ستي».
جلست هدى صامتة. لم تشعر برغبة في توبيخه. أخذت الورقة المطوية من على المقعد، فتحتها، فإذا هي رسمة بقلم رصاص لقطار كبير، وتحتها بخط طفولي متعرج: «إلى بابا: القاطرة ما زالت هنا».
حملته بين ذراعيها، وخرجت به إلى الليل. كان الفريق كله ينتظر عند الباب. وحين وصلت الجدة، جرت إليه وضمّته وهي تبكي وتضحك معًا.
في الأسابيع التالية، حين سمعت هدى القصة كاملة في مركز الشرطة، قرّرت أن تكتب تقريرًا خاصًا. رفعته إلى البلدية مع صور للمحطة القديمة. وبعد شهرين، صدر قرار بتحويل بيت السكة والمخزن والقاطرة إلى متحف صغير لتاريخ السكة الحديدية.
وفي يوم الافتتاح، كان يوسف أول من دخل. وقف في مقدّمة القاعة وقد ارتدى القبعة السوداء الكبيرة، وقال للمصورين بصوت واضح:
«هذه قاطرة أبي. وهي باقية».